موقع الأديب العربى عبد الوهاب
فى هذه المدونة أنشر إبداعاتى و دراساتى النقدية
.
.

رواية خليج الطبالة ( 3 )

 
* كالعادة دوما كانت الحكايات تنساب من بين شفتى أمى كشلال ماء يغمر أخطاءنا الصغيرة ويغلفها بمسحة الحكمة التى أستحلبها الآن .

قالت وهى تمسك بيدى ، فى إحدى الليالى السامرة ، حيث كنا نلتف حولها التفاف الكتاكيت تحت جناحىّ أمهم الدافئ ؛ ونطوف سائلين عن ناس البلدة  ، هذا القعيد أمام داره وهذه روايح السوداء ، وزوحها الضرير وعن غياب أبى ـ حيث كان فى سنوات عمله الأولى بالأوقاف ، يعمل فى مسجد بإمبابة ـ عندئذ ترفرف أمى بجناحيها فيدخل هواء الحكايات لدارنا التى توقفت الكهرباء عند رأس شارعها ، وغطى جبينها قش الأرز وحطب الذرة مع حطب القطن مخافة شمس يوليو

وحكت لنا عن نوادر "خليل الشاعر ؛ والعم حسنى ، وجلسات المصطبة عنده .. وسالم الحمَّار وعند سالم بالذات توقف الكلام فى حلقها ، كالتى تذكرت تاريخا من الألم

 [ سالم ابن الشيخ سليم ]

سالم الحَمَّار ـ كما يطلق عليه آل طاروط ـ كان أبوه جزاراً ؛

 كان يقيم ليالي الأذكارفى حب النبى .. وفى حب أهل الله .. ليلة عاشوراء وليلة القدر وليلة فى مولد النبى وليلة خاصة بسيدي أبي منصور صاحب المقام والجميزة أمام المدرسة الإعدادية

يصطف الرجال على صفين وتحت أقدامهم الحصر ممدودة فوق تراب الشارع وفوق الكنبتين البلدى اللتين غطاهما بالأكلمة يتمايل المنشد وترد عليه الجوقة وتتسحب أنغام الذكر هادئة  .. الرجال يشربون الينسون والقرفة وأحياناً الشاي والقهوة لمن يطلبها .. " أذكر تطوح الرجال ذات اليمين وذات اليسار ، داخلين في فضاء التجلي  ورويد .. رويدا  ينز العرق من أجسادهم .. تتطوح عيدانهم الممصوصة .. يتبادل المنشدون الأدوار فتتنوع الأدعية والإيقاعات حتى تتجمع كماء الجداول عائدة للمصب .. يبدأ المنشد بكل حماس ، يتمايل هادئاً وقوراً ثم تأخذه الإيقاع ، فيتسلل صوته إلى قلوبهم وأوصالهم وخلجاتهم حتى ينخز النقطة المسودة بالقلب .. يتوحد فى نغم واحد، يوحد الواحد ( الله حي .. حي .. الله حي ... ... ) إيقاع واحد متكرر تنتظم معه حركة الجسد حتى يسلم قياده لنقر الدفوف  ورويدا .. رويدا تتلاقى حركة الجسد مع رفيف الروح ، يتآلفان في وحدة منغومة متحركة متمايلة بجماعية فريدة ومن مسَّته يد الجلالة يشتعل حباً لله وللمنشد ولكل الذاكرين .. يرى الدور متلاحمة ، ذاكرة ، شاكرة ..  كنا نأخذ نحن العيال طرفاً من النغم المسحور ويتمايل البعض منا مقلدين تطوح الرجال فى حركات تمثيلية . وسرعان ما يجرهم أبو زيد وعبد الباسط والأشقياء أمثالي من قفاهم فيسقطون ضاحكين .

نشرب القرفة من "الحلل" بالدار الكبيرة دار الشيخ سليم وراء المسجد الجامع ..

[ الله حي ..  حي ..الله حي ]

ندور البلدة لاعبين ثم نتجمع عند "أبى منصور" حيث الذكر  والأجساد التى انتظمها الكون وسط نغماته ووحدهم بالغيطان ، بالبهائم ، بالحشرات الضارة والنافعة . حببهم في كل ما حولهم . شدهم إلى انجذاب البهاء الرباني وطيرهم في هواء المديح والعشق..ونحن نتسكع فى هواء البلدة والليل ـ أبدا ـ لا ينقضى  حيث. والكل منجذب ومجذوب 

 [ الله .. حي .. حي .. الله .. حي ]

وتمتمت أمى  ببقايا كلام عن سالم ...

وأنا عدت من لهوى مع الأشقياء أمثالى ـ بعد تلك الليلة ـ كبيرا ؛

هكذا كانت ليالي الشيخ سليم

يحب أهل الله .. من الله وإلى الله  وفي الله ؛ أما سالم فلم يسلم من الشياطين وقلة حيائهم ؛

بدأ سالم بالحيوانات الفطيس متعللاً بالسكين الذي بجيبه  دائماً وبوصية الأب.

أراه لم يزل يشد العابرين من أبناء القرية قبل الأغراب ساكنيها ـ من المدينة القربية جدا منا ـ يجذبهم إلى ذبيحته المعلقة ، يقسم بالله وبالطلاق في كل وقت وعلى كل تافه.بأنها لحوم عجالى على كيفك

ولم تضف سوى بإيماءة وبقايا حديث عابر:

هكذا كان سالم الحمَّار .

و أعادت لى حكاية السرقة ، وسالم ، عندما كنت أشد أوتار الكلام :

"خللى بالك من غدر الأيام ، وأولاد الليل .. واوعاك تمشى لوحدك فى خرابة سالم الحمَّار.

 

 

 

 

الساعة كام معاك ؟

: ستة

: اظبط ساعتك

تمتد يد الشيخ محمد النجار _ قُبيل المغيب _ إلى جيب الصديري الأسود اللامع تحت الجلباب ساحباً ساعة جيب بيضاء ذات إطار فضي وسلسلة مُفضضة . يلوح بها فى وجه الواقف أمامه فيقول للشيخ ..

: مبروك الساعة الجديدة

: ابني بحيري اشتراها لي من العراق

: مبروك يا شيخ

ينصرف الواقف ناظراً إلى ساعة يده الجوفيان متسائلاً :

هل الساعة متأخرة فعلاً ، ولا يبالي .. فكل الناس تعرف الشيخ . واضح أن مزاجه رائق تلك الأيام عكس الأيام التى يكمن فيها بداره ، ولا يراه أحد حتى بليلة والقمحاوى صاحباه ..

كان يقول للواحد : صلح العتبة يا ولد

ويقصد الزوجة .

تلك المرة حاول الشيخ محمد النجار أن يوقف الدكتور البيطرى ويسأله عن الساعة . إلا أن الأخير أزاحه بطرف حذائه وهو مازال فوق فرسه ، كمن يزيح طوبة تعترض الطريق . هذا أثناء ذهابه للاجتماع العاجل ،  أسفل كوبري الرشَّاح ، قبيل المغرب .

ولم يتوقف الشيخ محمد النجار عن الشكوى إلا بعد صلاة العشاء .

*     *     *

أن تكون وحدك

ليس معناه أن العالم قد نفد من الناس

هكذا قال ابن اللحاد لصاحبه صدّيق ذات مساء بعيد ،

قبيل سفره لبلاد الأعاجم .

*     *     *

زحام يمتد ليوم الحشر والموكب يقترب على مهل . بينما عقارب الساعة كان لها حساباً آخر .

يزعق المأمور فى العساكر ، بعدما وبخ العسكري الذي أطلق من بارودته طلقة ، قال ولم يسمعه أحد : عنده حق .

"صدّيق" يحاول ثانية اختراق الأيادي المتشابكة بين العساكر والخُفراء ،لجر الجاموسة أو لمسها ثانية ولم يفلح . يشد شال الهلباوي ويدور به حول وسطه عاقداً الشال كراقصة مُدربة ؛ بينما الطبل يدق قادماً فوق بطن الطبالين متعلقاً بأكتافهم عند ماكينة الطحين . يدور صديق راقصاً ، تتحوطه الأكف مصفقة .. يشكل الرجال والصبيان من ورائهم دوائر مُتلاحمة ، تشاهد انخراطه فى رقصة البهيج .. تشجعه الزغاريد ، وتتلهف عيون الصبايا الناظرات من بعيد لمرآه  .

عند الخُص الذي انتصب بارتفاع كافورة ، ومن أمامه امتد مربط أم قورة بيضاء على اتساع ـ ويمكننا القول بلا مبالغة بأنه احتوى كل الحشود ـ ولم يزل به مكانُ للمبروكة .

قال البعض :مش هو دا خص الشيخ عبده  ، مريد الشيخ سيد أبو قورة ؟!!. شوف ساع الناس دى كلها ازاى .. ثم انحرف الكلام إلى الأعداد الغفيرة يوم جنازة الشيخ سيد أبو قورة  وأنهم كانوا يتوقعون أن يطير بالنعش ولم يطر .. هكذا أسر فى أذن ابنته ليلة رحيله ، انه لن يبق فى قبره على أية حال ؛ ولا يجب أن تطلع إلى المقابر عليه وتقرئ المقرئين وكل من بطاروط يعرف ذلك .

*    *    *

      واقعـــة

ذكر "النحيلي" أنه كان ماشياً أثناء الليل المتأخر لعله يتسمع صوت واحدة تتجهز للخبيز فتنادي ابنتها : أغسلي "اللقان" ، أو يتوارد إلى سمعه خشخشة العيدان .. الفجر أوشك على الحضور والنوم جافاه تلك الليلة ، فقام إلى العجين الخامر منذ أول الليل داخل حجرته الوحيدة بدار الحاج "محمد ابن السيد" الخياط الذي عزل له الحجرة عن داره وجعله يفتحها "بزقة أحمد أبو عطية ".

قال لنفسه تلك الليلة : قم يا نحيلي العجين تخمر وفاض عن اللجن النحاسي .قوم يا نحيلى .. العجين خمر ، لولا جريك ورا  الحشيش ، والأفيون ، "وسنية نجف ".. ما كانش بقى دا حالك .. خربت يا نحلى بيتك بايدك ؛ قوم يارجل .

كانت أذنه تتسمع حتى تناهى إليها صوت زعيق امرأة القمحاوى بعيداً وهي تهش النُعاس بعيني ابنتها.

قال النحيلي الخبيز هنا بدار القمحاوى ..طرق الباب بالسقاطة الحديد المتدلية ؛

وحكى فيما بعد للناس على مصطبة الهلباوي وأنفاس المعسل طالعة من فمه: "ليلتها شقتها جاية من عند دوار العمدة .. داخلة يمة الجامع الكبير .. وشقت نور نازل من السما زى ما تقولوا كده لقيت جناحين طالعين لها .. وكانت ح تطير .. ساعتها قربت منها، واحدة واحدة وفلت لها خدينى على طرف جناحك يا مبروكة العيال والمرىة سابونى .. بقيت لوحدى بأنام لوحدى وأكلم الحيطان .. قربت لحد ما هش ديلها وشى وأنا متسمر فى الأرض زى الوتد .. مش غارف أروح ولا آجى "

وأضاف  :بعد خطوتين .. شفتها بعينيا اللى ح ياكلهم الدود .. وهى بتجرى بسرعة البرق من قدامى ..وكانت بتعلى .. وتعلى لغاية ما طارت فوق دوار العمدة واختفت ، ساعتها وقع اللجن بالعجين الخامر من فوق راسى  .

سأله أحد المتشككين : أنت  مش اديت العجين لمرات القمحاوى ؟.

قال النحيلي مُتضايقاً : يا أخي لميت العجين ، وخبطت تانى على باب القمحاوى .. كان طالع للفجر.

وكان  ، ما كان

*     *     *

كان صديق قد سمع اللصوص فى "أودة" فتحى الأقرع بجوار الجامع الكبير ـ قبل عودة أم قورة بيضاء بأيام ـ  وبعدما يئست طاروط كعادتها من رجوع أى بهيمة مسروقة منذ أيام العمدة الكبير ؛ كان صوت فتحى القرع واضحا ، وهو  يقول "لازم نخلص منها .. عرفت أن " الظباط فى المركز واخدينها المرة دى بجد بيقولوا  إننا زودناها .. لازم ندبحها على العيد الكبير"

قاطعه آخر " يا بن العبيطة طبعا ح نخلص منها ..وبسرعة بسى نديها شوية علشان نلاقى فيها لحمة .. ونعرف نعيد كويس " عند ذلك الحد تأكد أن سماعين الجمل هو القائل الكلمة التى حيرته أيام وليال ؛ وأنه هو الشريك ، وصاحب المصلحة ، فهرع مسرعا ، وأيقظ أباه

       *  *  *

الأقدام تصعد فوق السلالم الرخامية ، تطرق بوابة العمدة الحديدية . بعدما تعبر بوابة سوداء كبيرة _ من الحديد أيضاً _ تطل على الشارع .

تدق يد عطية مخمخ ومن ورائه يقف محمدي الجزار الذي جاء _ صدفة أو عمداً _ بجواره على نفس الدرجة الدكتور ذكي متبرماً من ذباب يحوم على وجه الجزار .

يفتح الخفير

تهش يده الكنبات البلدي بمنشة بلاستيكية ، يتطاير الغبار . وتتعدل المساند ..ثم يقعد عطية على كنبة بجواره محمدي الجزار . ينجعص الدكتور بظهره على المسند ، فارداً ساقه اليسرى وثانياً اليمنى كعادته على كنبة أخرى بمفرده يدخل الحاج عبد الرحمن أبو شامية بعد قليل يتبادلون التحية . يقعد أبو شامية على الكنبة المواجهة لصدر الباب ، تاركاً مساحة كافية بينه وبين مكان العمدة الشاغر يطن الذباب خارج الشباك والدبابير وأبو قردان وأبو دقيق  والنحل يصفق بجناحيه السلك الذي يقف مضيقاً من فتاحته إلي أقصي درجه .  

 يتطلع الدكتور إلي سقف الحجرة الواسعة ،

تتدلي النجفة علي شكل طبقتين من البللور المتلألئ بأصابع الموز المضيئة ، يعلوها الجبس الأبيض علي شكل فراشة مُحوَّمة توشك علي الانطلاق .

نزلت عين الدكتور علي الحائط الأصفر الباهت المتصل عند منتصفه بدهان بني من الزيت تتوسطه خطوط طولية تتدرج ألوانها من البني القاتم إلي الأصفر الباهت .

كل هذا التسكع بالنظر إلي محتويات الحجرة من كنب وجوزه كبيرة وأخرى صغيرة ذهبية اللون وشيشة ومنقد فضي

وذباب

يحاول المروق ،

والعمدة لم يأت،

قال الدكتور لنفسه : الميكانيزم منعدم تماماً . ألوان فجة ، وبيت فج، وسط قرية متباينة المبانى بين الحجر والطين .. بين رجال ونساء نشاز فى نشاز .. No  هارمونى .. يبدو أن الحياة هنا تسير مع هذا النشاز فى انسجام غريب .

تأخر العمدة ، فنظر الدكتور فى ساعته ، والي عطيه مخمخ .. السكينة والكسل يسكنان عيني أبى شامية والجزار .

قال الدكتور لنفسه "ربما كان بالمرحاض الأفرنجى ..بينما الخفير الكاذب يدعى أن العمدة يصلى ..يبدو أنه استراح على قاعدته الناعمة من السيراميك المستورد. كما أخبرنى من قبل ، شاكرا  لى هديتى ضاغطاً على كتفى دلالة الرضا، وعلي ذكائي..فقد أحضرت قاعدة السيراميك، ولوازم الحمام الأفرنجى من (بانيو، إلى أحواض، إلى مناشف ) ببطن سيارتى الفورد .. ذات مساء متأخر

: السلام عليكم .

توقفت عين الدكتور على الزبيبة السوداء بجبهة العمدة .. آلمه الابتسام الأصفر . رد الجميع السلام بصوت عال مبتسم ما عدا الدكتور الذى هز رأسه .

احتل مكانه الشاغر ، وتنحنح .

دخلت الشيشة للدكتور البيطرى ، بينما توسطت الجوزة الكبيرة الباقين . وذهب الخفير إلى ركن الحجرة الواسعة ، أحضر الجوزة الصغيرة المذهبة اللامعة .. أسلم العمدة خرطومها الرفيع كخرطوم "الأسترة" ، تحسس المبسم .. تأكد أن الخفير غسلها جيداً 

قال للحضور   : بدلت الغابة بالخرطوم .

عقب الدكتور : وأمتع .

أيقن "عطيه مخمخ" أن العمدة أبدل تلك بهذا ، حتى يتسنى له التلويح بيديه، والتمدد بساقيه، ورفع قامته وخفضها وقت اللزوم وحسبما تتطلب الجلسة ، دونما يسقط الخرطوم من فمه .تتلاعب الصينية بين يدى الخفير الذي يتملى وجه الدكتور البيطرى ، عندما كان يمد يده لأذن فنجان القهوة المضبوطة .

انتشر الدخان الأزرق محلقاً فوق الدخان المتصاعد من شيشة الدكتور . شق صوت "محمدى الجزار" غلالة الدخان .

: الجاموسة فى الطريق يا حضرة العمدة

باقتضاب واصل العمدة سحب الأنفاس

: عارف ..

تابع الجزار   : الجاموسة المسروقة ترجع .. سبحان الله .

تنهد العمدة   :أسمع كلامك... .

لم يفطن الجزار ـ شيخ البلد ـ إلى تلميح العمدة فى غمرة انشراحه .. وواصل .

: الجاموسة ترجع ..ما حصلتش من أيام العمدة الكبير...

علق عطية مخمخ : كنا صغيرين يا محمدى .

ضحك العمدة : والصغير يكبر .

أمَّـن محمدى على كلام العمدة : صدقت يا عمدتنا .

جذب عطية مخمخ طرف الكلام وأداره بدهاء : عندما يكبر .. قد يصبح شيخ بلد أو ابن ليل أو شيخ خفراء أو واحد من أولاد آدم الطيبين .

أحس الجزار بوخز الكلمات فى جنبه .. هو لا يرتاح ـ أبداً ـ لعطية مخمخ بينما تطلع أبو شامية لعينى الجزار القلقتين ولم ينطق ..

ضحكات العمدة الصفراء أبانت أسنانه الحادة ، حتى كادت تقدم قلب محمدي الجزار .

*     *     *

قال محمدى الجزار لنفسه أثناء عودته من دوار العمدة " حملته فوق كتفى مهللا ، يوم فاز فى الانتخابات ، ولم أكَلْ .. صداقة بطول العمر يا عمدة ؛ أحس بالغمز واللمز فى كلامه . صحيح أننى فقدت معظم ما أملك على مرض ابنتى ولكن أبدا لم أكن طامعا فى شئ سوى البقاء بجواره ربما يكون عطيه مخمخ ؟!! طبعا هم يحاولون استخلاصه من حولنا ليكون لقمة سائغة لهم .. " ولم يدر أن أبو شامية صاحب دور بارز فى تأليب العمدة عليه .

لم يدرك ذلك تماما إلا عندما وجد نفسه وسط  اللصوص فى المركز .. يتلقى الإهانات .

           *  *  *

رغم كل هذا الزحام ؛

لم يتمكن أحد من إرغام الجاموسة المبروكة على مسايرة الزفة لأنها أخذت تتأمل الخُص ذى  التعاشيق من شجر الموز والغاب الرفيع والمسامير كأنها ترى الشيخ عبده يفرك العلف بيديه ، يفك التصاق ألواحه الصغيرة .. ترفع رأسها عند "المدود" ناظرة الغيطان وأعالي الخُص حيث يتهدل القش على جانبي سطحه تبين رؤوس المسامير ذوات البريمة والصلب ، تدب أرجلها حول المربط تدوس بقايا علف تحلل من صلابته ، أمسى فتاتاً جافاً .. تتشممه ثُم تلحسه بلسانها المُحمر .

: ألهم صلي على النبي

: الجاموسة مانسيتش الخُص

: الجاموسة بتدور حول المربط

: الجاموسة جعانة  يا ناس

: الجاموسة بتنادي ع الشيخ عبده

: الجاموسة بتضحك .

: وش السعد الجاموسة دى

: يا بخت الشيخ " عبده " بيها

 مئات التساؤلات والاستفسارات والقلق والتعقيب والهمهمات .. العيال تضرب بعضها بعصي صغيرة من الغاب وتدور حول الخُص .. تدوس الأقدام المتململة عيدان القمح

فى انتظار حشود راقصة من الكفور والعزب المجاورة أو نهوض الجاموسة من نومتها ، لمواصلة السير .

تدوس أقدام متعجلة ـ بلا وعي ـ على الأتوموبيل الطينى والمقطورة المشبوكة به بواسطة فلقة غاب رفيعة .. تسقط كومة القش من فوق المقطورة

ويبكي الطفل محاولاً حماية لعبه الطينية _ بلا جدوى _ يلتصق الأوتوموبيل والمقطورة والقش بأحذية العساكر والمأمور والخُفراء والناس الأغراب وخفراء طاروط والفتيان والفلاحين والفلاحات يتحد طين اللعب الصغيرة بالزغاريد المتفجرة من حناجر مبحوحة ، والعرق ينز من الأجساد بقوة الزحام الخانق ، الضمير يتسلل إلى النفوس وينطلق على الألسنة ، يستمر بكاء الرضع رغم بروز صدر الأمهات وراء الخُص

(0) تعليقات

Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.