موقع الأديب العربى عبد الوهاب
فى هذه المدونة أنشر إبداعاتى و دراساتى النقدية
.
.

خليج الطبالة ( 4 )

واقعـــــة

"الملط " من عزبة ادوار .

صاحب الدار التى استقبلت الجاموسة "أم قورة"

ليلة مجيئها بصحبة عبد الحليم باشا  وأبى شنب ، وأخيه فلفل ، وسماعين الجمل . فتح الملط باباً من وراء باب يفضي إلى "أودة "للخزين بها باباً يُفتح على باب آخر "

لأودة" أخرى . لو دخل الغريب وفتح باباً لا يرى الآخر .

لذلك يجئ عبد الحليم باشا بما سرق إلى ابن خالته " دوما .

بعدما شرب الرجال الشاي المغلي بدار "سيد الملط " تلك الليلة التى جاءوا خلالها بالجاموسة بعد العشاء السريع ، تصاعدت أنفاس المعسل المغموس بالكيف من الناروزة ومن يافوخ الحشاشين مخترقة فضاء عزبة "ادوار" .. ملت غابة الجوزة من الدوران وتراصت حجارة الكيف الخاوية ارتفع الهذر والنزق الصبياني على زير ماء يخر ماءاً وهمياً أو جاموسة ساقطة ببحر ابن الأخضر الذي يمر بطاروط وادوار والمسلمية وميت أبو علي قاطعاً الإسفلت الواصل بين مدينتي الزقازيق وأبو حمَّاد

عشرة كيلومترات تقريباً هكذا كان يحسب "أبو شنب" المسافة والبلاد القائمة حول البحر العذب أحد فروع بحر مويس الذي يقطع مدينة الزقازيق واصلاً إلى بلاد الله ، خلق الله ولا يعرف أكثر من ذلك

هواء عزبة ادوار فى الليل يدور بالرؤوس التى وزنها الكيف ويدور بالرجال بعد خروجهم

متخذين طريقاً آخر للعودة .

أحبوا كل ما عبرت عليه أقدامهم وأحسوا أنهم يحبون الدنيا ويرون كل ما يحلمون به قد صار موجوداً أو سهل المنال .. انزاحت همومهم وراء ظهورهم _ ولو مؤقتاً _

فرح فلفل بجاموسة تمد خطمها نحو الماء فى البحر ، فتقافز ناويا إمساك حبلها وسحبها للشيخ عبده

ذكر الملط فيما بعد ،

عدتُ تلك الليلة بعدما ودعت الضيوف الأربعة فوجدت امرأتي تحتضن حسن الرضيع [ولدي ] تلوى بين ذراعيها .

قالت :ابنك جعان .. واللبن نشف فى صدري ، والجاموسة جات بالخير يا ملط  لدارنا .. قوم احلب منها شوية لبن .

قال الملط : عبرت باباً من وراء باب ، بين يدي "مترد" اللبن وهواء الدار الخانق يبعث الضيق فى النفس  ، ويسحب النوم نحو المتعبين أمثالي .

قال : هششت مؤخرة الجاموسة ، تحسست "ضرتها" الممتلئة باللبن .

كانت الفرحة تسبقني و"مترد" اللبن ملآن بين يدى أم الولد ، التى رأت  ـ فى ضوء لمبة الجاز ـ اللبن شرش أحمر

قالت : يا مصيبتي

ترضع ابنك الشرش . اندهشت للون الأحمر .. بعض الوقت ولم أبالي ، فقد كان الظلام يستر كل العيوب . قلت ربما ضوء اللمبة . يسحب لون اللبن ويلونه بالاحمرار . يافوخي كان صافياً ، صدقت نصيحتي لنفسي ، وأرضعت الولد الجائع من لبن الجاموسة .

الصباح التالي : ، قال طبيب الصحة عن الرضيع

بأسي حقيقي : نزلة معوية .. يلطف الله

عصر ذلك اليوم لففت الرضيع بالقماش الأبيض وحدي .. وأودعته بجوار جده

*     *     *

 [ بحمد الله ، وبفضله .. رجعت الجاموسة المباركة .. رجعت  يا آل طاروط .. هي الآن عند الخُص ، فى طريقها إلى البلدة ، من يحب المشاركة فى الزفة فهو آمن .. من دق الطبول وعلق الرايات فهو آمن .. من مرت من أمام داره الجاموسة المباركة فهو مبروك ومبارك ، يباركه سيدي أبو منصور ، وكل أولياء الله الصالحين ]

نداء المسجد الجامع

*     *     *

ولما جن الليل عليه والعمدة لم يزل فى شروده مقيما ، تنحنح الحاج أبو شامية واقترب بمقعده ـ جدا حتى لا مست شفتاه أذن العمدة ـ كان يعرف اللحظات التى تخترق سهامه رأس وعين من يحاور : يا عمدتنا وتاج رأسنا الغرابوة .. منذ زمن .. نفذوا ملعوبهم فى معركة المشمش .. ولما لقناهم الدرس فى معركة البطيخ أسروها فى أنفسهم وتدبروا واستعانوا على غفلتنا ـ معذرة ـ بالحيلة فأرسلوا عوض جزر لقتل العمدة الكبير ولما خلصنا منه مهدى الجمل استرحنا إلى حد النوم ، فأرسلوا فتحى الأقرع .. زرعوه بيننا على أنه ابن الكلب ابن أحد كلاب طاروط الذين تركوها فى الظلمة .. وجنابك تعلم بكل صغيرة وكبيرة ؛

عندئذ اعتدل العمدة على مقعده وحاول الخروج من أنفاق الغرابوة بيد أنه سقط على مقعده الأثير محتضنا الجوزة الأثيرة عنده ونام .

*     *     *

تم القبض على هؤلاء

1 ـ محمدى الجزار شيخ البلد

2 ـ عبد الحليم باشا

3 ـ أبو شنب  (ابن فايزة أم هاشم )  وأخوه فلفل

4 ـ ثلاثة رجال من عزبة ادوار وسيدتان .

5 ـ سماعين الجمل عاد من المركز بعد أخذ سؤالاته .

*     *     * 

عودة الجاموسة

[ ذكر مصدر مسئول أن جاموسة طاروط عادت سالمة .. بعد رحلة بحث طويلة تكلفت أموالاً طائلة من الجنيهات المعزاوية ]

التفاصيل ص 12

*     *     *

على البلاط البارد

تطلع أبو شنب إلى عبد الحليم باشا الواقف بمفرده شارداً .. بعض المحبوسين اللذين لا يعرفهم أبو شنب ، يتقاسمون أنفاس السيجارة ، يهذرون بوقاحة ، بينما رجال عزبة ادوار الملط وحسنى وزينهم فقد تلامست أكتافهم ، وافترشوا بلاط الحجز .. الرائحة النتنة لم تضايقهم ـ سبق له ان تشممها ـ

فى نفس المكان _ بعد الثار لمقتل أخيه عبد الله ؛

مسد بيده اليمنى ، شنبه وعاد النظر إلى عبد الحليم باشا ، وجد الوجوم يتلبسه . محمدي الجزار التصق بالباب الحديد كعامود للإنارة والحزن أسكته تماماً . كان قد ضرب كفاً بكف أمام الضابط ، وأقسم بالله وبالطلاق أنه لا علاقة له بالموضوع من قريب أو بعيد ، رمقت الصول الذي يسجل المحضر وطالبه بالسكوت كي يكمل المحضر ولا ينسب التهم لغير أصحابها .

قال أبو شنب لنفسه : عمى محمدى الجزار برئ بس العمدة عايز يزيحه .. " وتراءت أمام عينيه [الخية ] فاتحه حنكها مثل حية رقطاء ،سوف تبخ سمها فى أى لحظة .." الدكتور بيقول : يومين  بس .. آه لو كان ابن الزوانى كداب .. ح أقطع  من لحمه الأبيض ، و أهرسه ..  أما عينيه العسلية   ورموشه الطويلة ..ح أنتفها رمش رمش"

فلفل غير واضح الملامح لأن الضوء الواهن الواصل من شرَّاعة الحديد المتشابكة لا تبين إلا اصفرار الوجوه . الأذن تلتقط ـ إذا رغبت ـ هذر المحبوسين .. نكاتهم الوقحة عن النساء ورجال الليل . لم يتكلم ما دام عبد الحليم باشا مازال شارداً . لو يسأله عن الموقف الآن ..

لو كان الدكتور كذاباً .. لو تأتي الجوزة معمرة بقطع الكيف .. لو سنة أفيون تحت اللسان مع كوب من الشاي .. لو ينكسر باب الحجز .. لو لم يصدق ابن على الأصفر .. واقعة سوداء

باتجاه عبد الحليم باشا مشت قدماي خطوتين ، لكن بانفتاح باب الحجز المفاجئ واندلاق  صفائح الماء الوسخ ،وتسرب  الماء تحت الأرجل وتحت من تأخر فى النهوض ؛جعل الجميع وقوفا ..يهزهم غضب مستعر .. وعلى وشك التشاحن عندى أدنى احتكاك بسيط

يسب الملط أولاد الكلب والجاموسة واليوم الأسود .

تتلقفه الأيدي المفلطحة بالصفعات و"الشلاليط" بينما الامتعاضات والتأففات لم تلق جزاء أكثر من الخوض فى الماء الوسخ والضحك على اللسان "المفلوت" والجزاء من جنس التبجح .

*     *     *

جاموســـة يا جاموسة         يا أم العيـون  ننوســـة

خدي سنــة المنحـوس        وهاتي سنــة الناموســة

*     *     *

ارتمى العمدة على الكنبة ، وشيخ الخُفراء يحاول أن يطفئ نار غضبه قائلاً : أحضر الجوزة لجنابك ، والعمدة فى بحر شروده غارق .. تراءت له ألاعيب الغرابوة ، والدكتور ولدهم يتذاكى .. قال لنفسه .. سوف أضعه تحت ضرسي .. وأضغط قليلاً حتى لا تطقطق عظامه .. العبيط لم يتعلم من الأحداث ؛

نسي أن طاروط مربوطة بقدمي ، وأن العزب والكفور المجاورة رهن إشارتي ؟

أم نسي حرب البطيخ ، عند كوبري الغربي .

أيامها .. ظن الغرابوة أن لهم أسناناً تعض ؛

أعطيت إشارتي بعد ليلة طويلة من التدبر ، فاقتلع شباب طاوط شتلات البطيخ والبطاطس والباذنجان ، ألم تنطلق القذائف وفرَّ كل غرباوي إلى جحره وبقيت جدران بيوتهم تحمل بقعاً حمراء .

ثم أصلحت بين المتخاصمين ، وأعدت فتح الكوبري للعبور .

*     *     *

عاد الملط إلى الحجز ، مجرد شبح ، أسند رأسه إلى الحائط ودخل فى صمت ثقيل . احتضنته البرودة .. تلاعبت الحوادث أمام ناظريه ، كرامته تلطخت بماء وسخ . لم يلتفت إلى المحتجزين محاولاً جمع شتاته وجلبابه وكرامته من عيونهم الشامتة ، زحفت خطواته نحو عبد الحليم باشا ، الذي كان منتصباً كتمثال حجري .. أمسك كتفيه بعنف .. وصرخ بقوة الهارب من المذبح : أكان هذا اتفاقنا يا ابن الـ…؟؟؟

سقطت صخور من الشتائم والوعيد وتبادلا هز أجساد بعضهما ربما للإفاقة أو الإحساس بالمهانة أو بسبب قلق ظل يتسرب حتى امتلأت به نفس أبو شنب وفلفل والملط وعبد الحليم باشا بأن الدكتور كذاب ولا عهد له .

*     *     *

هل كان من الضروري أن تكون كما هي ؟؟

وأكون كما أنا

وتكون الناس كما كانت ؟؟

وتكون الجاموسة موجة من سحر غامض ، لم تزل.

من يفك شفرتها غيري ؟

من يعتلي صوتها سوى فارس سباق ،

ساعة الوغى .

يا آل طاروط ..

آن أن تفيقوا .

وآن لى أن أفك أحزمة السفر .

ـ كان ذلك بعد بضعة أعوام ـ

هكذا تكلم ،

زاهر سلامة

 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.